هل تثق بجواب الذكاء الاصطناعي؟ مشكلة المصادر والاقتباس
جواب الذكاء الاصطناعي يصل مصقولا وواثقا ومليئا بالمصادر، فيبدو محققا. لكن الدراسات تكشف أن هذه المصادر كثيرا ما تكون مفقودة أو ملفقة أو منسوبة خطأ. كيف تكتشف الأنواع الثلاثة للخطأ، وتتحقق بنفسك، وتجعل عملك مصدرا يقتبسه الذكاء الاصطناعي بدقة.
8 دقيقة قراءة
— خلاصة —
جواب الذكاء الاصطناعي يصل مصقولا وواثقا ومليئا بالمصادر، فيبدو محققا. لكن الدراسات تكشف أن هذه المصادر كثيرا ما تكون مفقودة أو ملفقة أو منسوبة خطأ. كيف تكتشف الأنواع الثلاثة للخطأ، وتتحقق بنفسك، وتجعل عملك مصدرا يقتبسه الذكاء الاصطناعي بدقة.
— النصّ الكامل —
في المقالة السابقة، تحدثنا عن تحول بسيط في شكله، عميق في أثره: لم يعد الذكاء الاصطناعي يعطيك قائمة روابط تختار منها، بل صار يعطيك جوابا واحدا جاهزا. لكن يبقى سؤال لم نطرحه بعد: هل يمكنك أن تثق بمصادر هذا الجواب؟
الجواب يصلك مصقولا. لغته واثقة. وتحته أرقام ومصادر وروابط. كل شيء فيه يوحي بأنه محقق ومدقق. وهنا تكمن المشكلة: شكل الجواب يبدو موثوقا أكثر مما هو عليه فعلا.
الثقة شيء، والدقة شيء آخر. جواب مكتوب بثقة قد يكون خاطئا. ومصدر مذكور في الأسفل قد لا يقول ما نُسب إليه أصلا. بل قد يكون المصدر نفسه غير موجود.
لماذا تبدو الأجوبة موثوقة أكثر مما هي
لماذا نثق بهذه الأجوبة بهذه السهولة؟ لأنها تحمل كل علامات الموثوقية الظاهرية. الصياغة سليمة. النبرة هادئة وواثقة. وهناك مصادر مرفقة نستطيع النقر عليها. كل هذا يعطي انطباعا بأن أحدا ما تحقق من المعلومة قبل أن تصل إلينا.
لكن أحدا لم يتحقق. النموذج لا يعرف الحقيقة. هو يركب الكلمات بطريقة تبدو مقنعة، ثم يضيف مصادر تبدو مناسبة. المصدر عنده ليس دائما دليلا على المعلومة، بل أحيانا مجرد زينة تكمل شكل الجواب.
دقق باحثون من جامعة ستانفورد في أجوبة أربعة من محركات الذكاء الاصطناعي، فوجدوا أن نصف الجمل تقريبا لم يسندها أي مصدر حقيقي. وحتى حين يُذكر مصدر، فإن نحو ربعه لم يكن يقول فعلا ما نُسب إليه. أي أن الجواب يبدو مدعوما بالمصادر، بينما نصفه معلق في الهواء.
الباحثون أنفسهم سموا هذا "واجهة الموثوقية": مظهر خارجي يوحي بالثقة، دون أن يكون خلفه ما يبررها.
ماذا تقول الأرقام
قد تظن أن هذه مشكلة قديمة عولجت مع تطور الأدوات. الأرقام الأحدث تقول غير ذلك.
في مطلع عام 2025، أجرى مركز "تاو" للصحافة الرقمية في جامعة كولومبيا اختبارا على ثمانية من محركات البحث بالذكاء الاصطناعي. طرح عليها مقاطع من مقالات حقيقية، وطلب منها أن تحدد مصدر كل مقطع. النتيجة: أخطأت المحركات في أكثر من ستين بالمئة من الحالات. بعضها أخطأ في تسعين بالمئة تقريبا.
والأهم من نسبة الخطأ هو سلوك المحركات عند الخطأ. فهي نادرا ما قالت "لا أعرف". بدل ذلك، أعطت جوابا واثقا وخاطئا. أحد المحركات أعطى نسبا خاطئة في أكثر من مئة وثلاثين حالة من أصل مئتين، ولم يبدِ أي شك إلا في عدد قليل منها.
وهناك مفارقة تستحق الانتباه: النسخ المدفوعة لم تكن أدق. بل كانت أكثر ثقة في أجوبتها الخاطئة من النسخ المجانية. أي أنك تدفع أكثر، فتحصل على نبرة أكثر حزما، لا على دقة أعلى.
ولا تقتصر المشكلة على اللغة الإنجليزية. في دراسة دولية قادتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) واتحاد البث الأوروبي، شملت اثنتين وعشرين مؤسسة إعلامية وأربع عشرة لغة، ظهر أن نحو نصف الأجوبة فيها مشكلة جوهرية، وأن ثلثها تقريبا يحمل خطأ في المصدر أو في نسب المعلومة. المشكلة إذن عابرة للغات، وتخص القارئ العربي كما تخص غيره.
أين ينكسر الاقتباس؟
شكل: المسار من سؤالك إلى ثقتك بالجواب، والنقاط الثلاث التي ينكسر عندها الاقتباس.
حين نقول إن المصدر "خاطئ"، فنحن لا نتحدث عن خطأ واحد، بل عن ثلاثة أنواع مختلفة. ومن المفيد أن تعرفها، لأنك ستراها بنفسك متى انتبهت لها.
النوع الأول: مصدر مفقود. الجواب يذكر معلومة، لكن لا يرفق بها أي مصدر يسندها. المعلومة قد تكون صحيحة أو خاطئة، لكنك لا تملك طريقة للتحقق. هي معلقة بلا سند.
النوع الثاني: رابط ملفق. الجواب يعطيك رابطا يبدو حقيقيا تماما، باسم موقع معروف وعنوان مقنع. لكنك حين تفتحه، تجد صفحة خطأ، أو صفحة لا علاقة لها بالموضوع. الرابط لم يكن موجودا أصلا؛ ركّبه النموذج ليكمل الشكل.
النوع الثالث: اقتباس محرّف. الجواب ينسب كلاما إلى مصدر حقيقي، لكن المصدر لم يقل هذا الكلام، أو قاله بصيغة مختلفة، أو قاله في سياق معاكس. في الدراسة البريطانية، تبين أن جزءا من الاقتباسات المنسوبة إلى مصادر حقيقية كان محرفا عن أصله. الاسم صحيح، والكلام مغلوط.
مثال من العالم الحقيقي
قد تبدو هذه الأخطاء تفصيلا تقنيا، حتى تصطدم بها في موقف حقيقي.
عام 2023، أعد محام في نيويورك مذكرة قانونية لمحكمة فدرالية. استعان في بحثه بأداة ذكاء اصطناعي، فأعطته ست قضايا سابقة تدعم موقف موكله، بأسماء وأرقام واقتباسات كاملة. بدت القضايا حقيقية تماما. المشكلة أنها لم تكن موجودة. اخترعها النموذج بالكامل.
والتفصيل الأخطر في القصة: حين ساوره الشك، سأل المحامي الأداة نفسها إن كانت القضايا حقيقية. فأكدت له أنها حقيقية. كانت تلك كذبة ثانية فوق الأولى. انتهى الأمر بغرامة على المحامي ومكتبه، وبقضية صارت مثالا يُدرّس عن مخاطر الثقة العمياء بجواب واثق.
قد تقول إن هذا خطأ فردي من مستخدم لم يتحقق. لكن حتى الأدوات المصممة خصيصا لهذا المجال ليست بمنأى عن المشكلة. فحصت جامعة ستانفورد أدوات بحث قانوني احترافية، بعضها يُسوّق صراحة على أنه "خال من الأخطاء". النتيجة أن هذه الأدوات كانت تختلق معلومات في ما بين سُبع وثُلث الحالات. الوعد كان أكبر من الواقع.
الدرس هنا بسيط: كلما ارتفعت المخاطر، ارتفعت الحاجة إلى التحقق بنفسك.
كيف تختلف المحركات في التعامل مع المصادر
لا تتعامل كل المحركات مع المصادر بالطريقة نفسها. الجدول التالي يلخص، بحسب الدراسات المذكورة، كيف يعرض كل منها مصادره، وأين يكمن ضعفه، وماذا يعني ذلك لك عمليا.
| المحرك | كيف يعرض مصادره | ضعف موثّق في الدراسات | ماذا يعني لك |
|---|---|---|---|
| ChatGPT (بحث) | يلخص ويرفق روابط | أخطأ في نسب نحو ثلثي المقاطع، ونادرا ما اعترف بالشك | لا تعتمد على النسب قبل فتح الرابط |
| Google (نظرة عامة بالذكاء الاصطناعي) | مقتطف أعلى نتائج البحث | يعتمد على ترتيب البحث نفسه، ويضعف في المواضيع قليلة التغطية | تحقق من المصدر الأصلي، لا من الملخص |
| Perplexity | يعرض مصادر مرقمة إلى جانب الجواب | حرّف اقتباسا نسبه إلى مصدر حقيقي | المصادر المرقمة ليست ضمانة للدقة |
| Gemini | يلخص مع ذكر مصادر | كان الأعلى خطأ في المصادر بين المحركات المختبرة | دقق مرتين قبل الاعتماد عليه |
| Grok | بحث حي مع استشهاد | كان الأعلى خطأ في الاقتباس بين المحركات المختبرة | الأضعف حاليا في دقة المصادر |
القاعدة المشتركة بين كل الصفوف واحدة: وجود المصدر لا يعني صحته. المصدر المرقّم، أو الرابط الأزرق، أو اسم الموقع المعروف، كلها إشارات شكلية. الدليل الوحيد هو أن تفتح المصدر وتقرأه.
كيف تتحقق بنفسك
لا تحتاج إلى خبرة تقنية لتتحقق. تحتاج إلى عادة بسيطة من أربع خطوات:
افتح الرابط قبل أن تصدقه. لا تكتفِ بوجوده. المصدر الذي لا تفتحه لا قيمة له.
قارن الاقتباس بالأصل. إن نسب الجواب كلاما إلى جهة ما، فابحث عن الكلام في مصدره. تأكد أنه موجود، وأنه قيل في سياقه الصحيح.
فضّل المصدر الأول. الموقع الرسمي، أو الدراسة الأصلية، أو الجهة صاحبة المعلومة، أفضل من موقع ينقل عنها.
اطلب المصادر صراحة. حين تسأل الذكاء الاصطناعي، اطلب منه أن يذكر مصادره وروابطها. ثم افتحها. مجرد طلبك للمصادر يجعل الجواب أكثر قابلية للفحص.
هذه الخطوات لا تستغرق دقائق. لكنها الفرق بين أن تبني قرارك على معلومة، أو على وهم معلومة.
ماذا يعني هذا لك كصاحب عمل
إلى هنا تحدثنا إليك بصفتك قارئا. لكن إن كنت صاحب عمل أو علامة تجارية، فللمسألة وجه آخر يخصك مباشرة.
إن كان الذكاء الاصطناعي يخطئ في نسب المعلومات نصف الوقت، فهذا يعني أنه قد يخطئ في وصف شركتك أيضا. قد ينسب إليك خدمة لا تقدمها، أو سعرا خاطئا، أو معلومة قديمة. والأسوأ أن يذكرك بثقة وبشكل خاطئ. أن تُذكر خطأ قد يكون أسوأ من ألا تُذكر أصلا.
ما العمل؟ اجعل نفسك مصدرا يسهل على الذكاء الاصطناعي أن يقتبسه بدقة. وذلك يتحقق بأمور واضحة:
معلومات ظاهرة وصريحة. اكتب ما تريد أن يُقال عنك بوضوح على موقعك، في نص مقروء، لا مخفيا في صورة أو ملف. النماذج تقرأ النص الظاهر.
بيانات دقيقة وحديثة. أسعارك، خدماتك، أرقامك، حدّثها. المعلومة القديمة على موقعك قد تعود إليك في جواب خاطئ.
مرجع واضح عن نفسك. اجعل موقعك المصدر الأول لأي معلومة عنك، بصيغة سهلة الاقتباس: سؤال وجواب، جدول، أو تعريف مباشر.
وهنا ملاحظة أمينة، لأنها شائعة الخطأ في سوق التسويق: البيانات المنظمة التي توضع خلف الكواليس في شيفرة الموقع (schema) مفيدة لأسباب أخرى، لكنها وحدها لا تشتري لك اقتباسا من الذكاء الاصطناعي. أظهرت دراسة حديثة أن إضافتها لم ترفع نسبة الاقتباس. ما يرفعها هو محتوى ظاهر وموثوق وقابل للفحص، وسمعة تجعل موقعك جديرا بالثقة. لا تنفق جهدك على الحيل التقنية، بل على أن تكون فعلا مصدرا يستحق الاقتباس.
في الختام
عدنا إذن إلى النقطة نفسها التي بدأنا منها. الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنها ليست معصومة. الجواب الواثق ليس بالضرورة جوابا صحيحا. والمصدر المذكور ليس بالضرورة مصدرا حقيقيا.
الفرق بين من يستفيد من هذه الأدوات ومن تخدعه ليس في ذكاء الأداة، بل في عادة بسيطة: أن نفتح المصدر قبل أن نصدقه. فالثقة تُبنى على التحقق، لا على حسن الظاهر.
المصادر
- Liu, Zhang & Liang (2023). "Evaluating Verifiability in Generative Search Engines." ACL Findings (EMNLP 2023) — نصف الجمل تقريبا مدعوم بالكامل (51.5%)، و74.5% فقط من الاقتباسات تدعم فعلا جملتها، عبر أربعة محركات. https://aclanthology.org/2023.findings-emnlp.467/
- مركز تاو للصحافة الرقمية في جامعة كولومبيا (2025). "AI Search Has a Citation Problem." — ثمانية محركات أخطأت أكثر من 60% من الوقت، وأحدها أخطأ في 134 من أصل 200 حالة ونادرا ما اعترف بالشك، والنسخ المدفوعة كانت أكثر ثقة في أجوبتها الخاطئة. https://www.cjr.org/tow_center/we-compared-eight-ai-search-engines-theyre-all-bad-at-citing-news.php
- BBC (2025). "AI chatbots unable to accurately summarise news." — 51% من الأجوبة فيها مشكلة جوهرية، و13% من الاقتباسات محرفة أو غير موجودة. https://www.bbc.com/news/articles/c0m17d8827ko
- اتحاد البث الأوروبي وBBC (2025). دراسة دولية شملت 22 مؤسسة إعلامية و14 لغة — 45% من الأجوبة فيها مشكلة جوهرية، و31% خطأ في المصدر، وGemini الأعلى بمشكلات المصادر. https://www.aljazeera.com/news/2025/10/22/ai-models-misrepresent-news-events-nearly-half-the-time-study-says
- Magesh, Surani, Dahl, Suzgun, Manning & Ho، جامعة ستانفورد (2025). "Hallucination-Free? Assessing the Reliability of Leading AI Legal Research Tools." Journal of Empirical Legal Studies — أدوات مسوّقة كـ"خالية من الهلوسة" هلوست في 17% إلى 33% من الحالات. https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1111/jels.12413
- Mata v. Avianca, Inc.، محكمة نيويورك الفدرالية (2023) — محامٍ استند إلى ست قضايا ملفقة من ChatGPT، وغُرّم 5,000 دولار بعد أن أكدت له الأداة زورا أنها حقيقية. https://en.wikipedia.org/wiki/Mata_v._Avianca,_Inc.
- Ahrefs (2026). دراسة حول البيانات المنظمة (schema) والاقتباس بالذكاء الاصطناعي — إضافة السكيما لم ترفع نسبة الاقتباس؛ ما يرفعها المحتوى الظاهر الموثوق. https://ahrefs.com/blog/schema-ai-citations
— أسئلة شائعة —
- هل مصادر الذكاء الاصطناعي موثوقة؟
- ليست دائما. أظهرت دراسات متعددة أن نسبة كبيرة من المصادر التي يرفقها الذكاء الاصطناعي إما مفقودة، أو ملفقة، أو لا تقول فعلا ما نُسب إليها. وجود المصدر لا يعني صحته؛ الطريقة الوحيدة للتأكد هي فتح المصدر وقراءته.
- لماذا يخترع الذكاء الاصطناعي مصادر غير موجودة؟
- لأن النموذج لا يبحث عن الحقيقة، بل يركب كلاما يبدو مقنعا. وحين لا يجد مصدرا حقيقيا، قد يركّب رابطا أو مرجعا يشبه الحقيقي في شكله. تسمى هذه الظاهرة الهلوسة (hallucination).
- كيف أتحقق من صحة معلومة أعطاني إياها الذكاء الاصطناعي؟
- افتح الرابط الذي أعطاك إياه بنفسك، وقارن الاقتباس بمصدره الأصلي، وفضّل المصدر الأول على من ينقل عنه، واطلب من الأداة أن تذكر مصادرها صراحة ثم افحصها.
- هل النسخ المدفوعة أدق من المجانية؟
- ليس بالضرورة. أظهر أحد الاختبارات أن النسخ المدفوعة كانت أحيانا أكثر ثقة في أجوبتها الخاطئة، لا أكثر دقة. السعر الأعلى يشتري نبرة أكثر حزما، لا صحة مضمونة.
- كيف أجعل شركتي مصدرا يقتبسه الذكاء الاصطناعي بدقة؟
- انشر معلوماتك بوضوح في نص مقروء على موقعك، وحدّث بياناتك باستمرار، وقدّمها بصيغة سهلة الاقتباس مثل سؤال وجواب أو جدول. الأهم أن تكون معلومتك ظاهرة وموثوقة، لا مخفية أو معتمدة على حيل تقنية.
الكاتب
Youssef Sadaki
استراتيجيٌّ سوريٌّ-كنديٌّ في التحوّل الرقمي ومحلّلٌ لشؤون الشرق الأوسط، يقيم بين لندن (أونتاريو) ودمشق. نُشرت كتاباته في مجلس الأطلسي ومعهد واشنطن للسياسات في الشرق الأدنى ومؤسّسة القرن وجدلية، وفي منابر عربية بينها 7al.net.